التراث الإسلامي و الحضارة
الحضارةُ تُنَظِّمُ حَيَاةَ الإِنْسانِ بِمَا حَوْلَهُ و مَنْ حَوْلَهُ، والجَانِبُ
الْمَادِي منها يُسَمَّي الْمَدَنِيَّة. و إذا نَظَرْنَا
إلى التّراثِ الإسلامي وَجَدْنَاه تَنْظِيمًا مُحْكَمًا لعلاقة الإنسانِ بربِّهِ
وبيئتِهِ و النَّاسِ مَنْ حَوْلَهُ، و وَجَدْنَا هَذَا التَنْظِيمَ
يَقُوْمُ على أساسٍ مِنَ التَّشْرِيعِ والعَقِيْدَةِ و الأَخْلاَقِ الدِّينِيَّةِ،
و على تَسْخِير كل هذه الأُسُس في بناء ضمير المسلم، و ما يَنْبَغِي
أن يَكُوْنَ لَهُ مِنْ نَفْسِ لَوَّامَة. و النفس اللوامة أقصى ما يرجى
للإنسان المتحضر أن يصل إليه، وإذاكانت الحضارة الغربية قد عنيت بجانب المدنية
أكثر من عنايتها بجانب القيم، فإن التراث الإسلامي يحرص على الجَانِبَيْنِ مَعًا،
يَحْرِصُ على قَيِّمٍ تُعْلَى مِنْ شَأْنِ الرُّوْحِ و على مَدَنِيَّةٍ تَصُوْنُ حَيَاةَ
الجَسَدِ.
لقد أنشأت الحضارة الغربية إنسانا يستطيع أن يغوص فى
الماء و يرقى إلى الفضاء. ويبلغ الكواكب ولكنها لم تفلح فى أن تعطي هذا الإنسان وَازِعًا
يحول بَيْنَهُ وَ بَيْنَ العُدْوَانِ عَلىَ غَيْرِهِ. لقد فتح المسلمون بلادا لم
تكن لهم لينشروا فيها كلمة الله، أَمَّا الغَرْبِيُّونَ فَقَدْ غَزَوْا بِلَادًا لَيْسَتْ بَلَادَهُمْ
لِلْإِسْتِيلاَءِ على مَصَادِرِ أَرْزَاقِهَا سَلْبِهَا وَنَهْبِهَا، لِيَرْفَعُوْا
بِهَا مُسْتَوَى مَعيشَةِ أَقْوَامِهِم عَلَى حِسَابِ سُكَّانِ البِلَادِ الَّتِي
غَزَوْهَا.
ونحن نقرأ فى وَصَايًا خُلَفَاءَ الْمُسْلِمِيْنَ لِقَوَادِ
الجُيُوْشِ دَعْوَتَهُمْ إِلَى ألَّا
يَقْتُلُوا شيخًا، ولاامرأة، ولا طفلا، و ألَّا يحرقوا زُرُوعهم وَ لَا يمثلوا
بقتلاهم، وأن يعرضوا عليهم كلمة الإسلام، فإن أجابوها فقد أعتصموا بها، و إِلَّا قبلت
منهم الجزية وكانوا فى حِمَايَةِ الْمُسلمين، لَهُمْ مَالَهُمْ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ.
أما في ضوء الحضارة الحديثة
فحسبنا أن ننظر إلى ما يجري في فلسطين و لبنان و أفعانستان و الفلبين وأثيوبيا، و في
كثير من بلاد أمريكا الجنوبية ثم
ماكان يجري من تمييز عنصري في جنوب إقريقية. ولو فهم المسلمون دينهم حق الفهم
لتمسكوا بما فيه من قيم حضارية ولسعوا إلى إكتساب ما في أيدي الغربيين من تفوق في
جانب المدنية.
Tidak ada komentar:
Posting Komentar